سياسية

الوطن والوطنية والمواطنة

الوطن والمواطنة والوطنية عبارات تكثر الآراء فيها، وتتداخل مفاهيمياً، وتغوص فيها الحقول والميادين المعرفية، لتجعلها تتراقص بين المسلّمات والحقائق كقضايا كأداء مستعصية على الفهم. عند عبورها الخاطر، يرتسم في الذهن الآدمي: الكرامة، ومسقط الرأس، وحليب الأم، وجرعة الهواء والماء والغذاء، والمدرسة، وأول لمسة حنان؛ إضافة إلى عَلَم الدولة واسمها ولغتها المدوّنة على هويتك.
ترتسم صور الأهل والتراب والتاريخ والصداقات والناس والإرث والتراث والمناقبيات ومواضع الفخر والانكسارات والنجاحات والإبداعات، وسلسلة تكوينية لا تنتهي؛ هي أنت والتاريخ والجغرافيا والسياسة والديموغرافيا والعقل والنفس والاجتماع والاقتصاد والحب والحرب والسلام والإنسان. تلك هي مكونات الوطن والمواطنة والوطنية، فمن الطبيعي أن تكون هذه المفاهيم على هذه الدرجة من التعقيد.
كل ذلك كان في المستوى العام والعاطفي والسليقي؛ أما في الأبعاد الموضوعية والسياسية، وشروط التحقق والكينونة، فلا بد من توفر مجتمع يحمل ويعيش حالة وحدة وطنية طوعية الانتماء، لا إقصاء أو تمييز فيها، أهله يعرفون الحق والواجب، في جغرافيا مهابة محققة ومعترف به دولياً، خيراته له، لا للحاكم أو المحتل، يعمل ويبني وينمو ويتطور بتوازن وتكافؤ فرص ضمن علاقات الديموقراطية نظامها، والمسؤولية نهجها والحرية تاجها.
في “الوطن” السوري، وخلال المائة عام الماضية؛ هل حقق السوريون أو تحقق لهم أيٌّ من القضايا أعلاه؟ الجواب حتماً بالنفي. ولذلك كتب المبدع السوري محمد الماغوط كتابه الأشهر: “سأخون وطني” وبالتأكيد لا يقصد أياً من المندرجات المذكورة أعلاه، بل ذاك الذي سحقها جميعاً، أو تسبب بعدم تحققها؛ فأي وطن أو مواطنة أو وطنية عاشتها سوريا خلال القرن المنصرم؟ لقرون، وليس لقرن، كانت أوامر الحياة والعيش، وكان الاسم والعنوان والعَلَم والرزق والتاريخ والسياسة خارج ما نسميه وطننا اليوم؛ كانت في الباب العالي؛ وما كنا غير رعايا كمجموعات وقبائل وعشائر وحمولات تابعة لمركز الإمبراطورية؛ مجموعات تمتلك مشتركات دينية ولغوية وجغرافية؛ ولكن كلها مجتمعة لم تشكل دعائم وطن أو وطنية أو مواطنة.
في الربع الثاني من القرن العشرين أتانا وصيٌ علينا، انتدبته عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، ومن أجل تدبر أمورنا وتحويلنا إلى كيانات “منسجمة”- باعتقاد القوة الاستعمارية- المنتدبة، قسمونا إلى دويلات على أسس وخطوط طائفية عصبوية إثنية اعتباطية لتيسير التحكم بها.
وما كان ذلك حقيقة لتدبر أمورنا أو خلق عصبية مجتمعية قابلة للعيش كدولة/ أمة، ولكن من أجل تسهيل التحكم بنا؛ إلا أن رجال الوطن الشرفاء حالوا دون ذلك، وبقيت سوريا واحدة في جغرافيا الـ 185 ألف كم مربع، بعد اقتطاع أجزاء أُلحقت بلبنان وتركيا والعراق اليوم.
لم يخرج الاستعمار من وطننا دون أن يعهد لأذناب مرتبطة به القيام بمهمة السيطرة على البشر والحجر، حيث تعب المحتل من القيام بدور السلطة التي تتعهد كل شيء. لقد اكتفى بأخذ الخراج والخدمات دون كلفة. وهكذا، تحوّل الوكلاء إلى سلطةٍ تحكم بالحديد والنار، وبمركزية عجز الانتداب عن القيام به. تفنن الوكلاء باستبدادهم، وابتلعوا كل شيء. وأفدح ما أنجزوه ترسيخ إيديولوجية لا فسحة فيها للحرية أو الديموقراطية. احتكروا القانون والسلطة والمال والمقدرات.
طف الكيل. ورغم تبعثرهم، انتفض السوريون من كل حدب وصوب دون أن يكون هناك ما يوحدهم إلا الظلم والاستبداد والفقر. قامت ثورة السوريين، لأسباب تشبه ما حصل في دول عربية أخرى، ولكنها تختلف بعمقها وجوهرها وأطرافها وتشعباتها. عقد من الزمن، ويكاد الوطن والمواطنة والوطنية أو ما تبقى منها أن يتسرب من بين أصابع أهلها وأرواحهم الدامية. الدولة المركزية المبنية على امتلاك واحتكار كل شيء والاستبداد به، تلك التي تطعم وتحرم، والتي تلغي الوطن والوطنية والمواطنة، غير قابلة للحياة؛ وتلك القوى الخارجية- إقليمية كانت أم دولية- والطامحة للتوسع والهيمنة غير قادرة ولَم يعد في مصلحتها أن تستعمر هكذا جغرافيا وهكذا بشر، أو أن تحمي أو تشرف على وكلاء استبداديين ينوبون عنها؛ لأن تكلفة ذلك كبيرة سياسياً وعسكريا ومادياً. حتى أهل هكذا “وطن” يفضلون تركه لقرفهم من المركزية والوصائية والانتداب والإيديولوجيات كيفما كان شكلها.
وهاهم السوريون يجدون أنفسهم أمام جملة من المسارات الصعبة وأحياناً الإجبارية والقاهرة؛ فهل تسير الأمور باتجاه ترسيخ الأوضاع الراهنة بكل ما فيها من مظلوميات وصراعات وموازين قوى وانفلات؛ أو تركها تحت وحشيتهم لتتفسّخ وتتبعثر أكثر.
وما العمل، وما الحل، وكيف الخروج من هذا الاستعصاء؟ هل يكون ذلك بتصعيد نخب وطنية في وجه القوى الدولية الوصائية، كما فعل زعماء الكتلة الوطنية السورية لإثبات أن ثمة قوة وطنية جامعة قادرة على التوافق بما يتجاوز الواقع المتشظي القائم؟ نخب تخلق البديل، وتجترح توافقات وطنية جديدة تسمح للناس بالتعايش والحياة. وهل نحتاج إلى مشروع تاريخي وعقائدي أو إلى مجرد سلمٍ أهلي وتعايش وطني يبعد منطق ما سُمِّي بقصدية الحرب “الأهلية” أولاً، ويحيّد ثنائية التناقض: السلطة- والمعارضة، ويعيد بذور التأسيس للتوحيد الطوعي للدولة الأمة؟
لا بد أن نقرَّ بأن فهمنا للوطن والمواطنية والوطنية مبني على أسس إيديولوجية عقائدية بعضها موروث عقائدياً وجلّها مزروع بقصدية خبيثة حالت دون ولادة أي حكم رشيد أو تنمية حقيقية أو ممارسة ديموقراطية وهي المرتكزات الأساسية للوطن والدولة العفيّة.
تبعثر أو تدمير سوريا وإقامة كانتونات أو ممالك صغيرة تافهة حتى لو حمتها قوى إقليمية أو كبرى لن يبني للسوريين دولتهم الأمة ولا وطناً ولا مواطنة، ولن يحمي هوية أو ثقافة مكونات مسكونة بالمظلومية. فهذه الكنتونات لن تكون إلا بؤرَ تعصب وعنف وفقر؛ حتى لو توفرت ريعيات للبعض. ومن هنا ليس هناك نجاة فردية، ولا نجاة لمكون، بل في بناء دولة المواطنة والمدنية والحرية والديموقراطية والحكم الراشد تؤسسه نخبة سياسية أخلاقية وطنية تضع الإنسان والقانون والوطن فوق كل اعتبار.

بقلم : يحيى العريضي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى