تقنية

الذّكاء الاصطناعيّ وتعويضه بنقص التّعاطف البشري

التعاطفُ الإنسانيّ هو أبعد ما يكون عن الكمال، ولكن يبدو أنّ البحثَ عن الكمالِ هو أساسٌ لتطوير الذّكاء الاصطناعي في الأبحاث الحالية. من الممكنِ أن تكونَ تلكَ الفِكرة خطرًا على الإنسانيّةِ، مثل الأفكارِ الفلسفيةِ والعِلميّةِ الزائفة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتي أدّت إلى فظائع الاستعمار والحروب العالمية والمحارق.

فبدلًا من أفكار العِرْق السائد؛ الذي يرَى أنصَارَهُ همُ الأجدر بحكم البشريّة، يُمكنُ للإنسانيةِ أن تنتهي بآلةٍ واحدةٍ ترى نفسها أفضل من البشر.

إذا كان هذا يبدو متطرّفًا، لنُفكّر في الكمال المُناهِض للإنسان، والذي هو بالفعل أمرٌ مِحوريٌّ في سوقِ العمل. هنا تُعدُّ تقنيةُ الذّكاءِ الاصطناعي الخطوةَ التّالية في فَرضيّةِ الإنتاجيّةِ القُصوى التي حلّت محلَّ الحِرَفيّة الفَردية في خَطِ إنتاجِ المصانعِ.

حَيث خَلقت هذهِ التَغيّراتُ الهائلةُ في طريقةِ عملنا الإنتاجيةِ فرصًا وتهديدات من المُرجّح الآن أن تتضاعفَ بسبب الثورةِ الصناعيّة الرابعةِ؛ التي يَحِلُّ فيّها الذّكاءُ الاصطناعيّ محلَّ العمالِ البشريين.

تَتوقعُ العديدُ من الأوراقِ البحثيّةِ الحديثةِ أنّه في غضونِ عَقدٍ من الزمن، سَتَحِلُ الأتمتة محَلّ نصفِ الوظائفِ الحالية. لذلكَ وعلى الأقلِ خِلالَ هذا الانتقال إلى اقتصادٍ رقميٍ جديد، سيفقدُ الكثيرُ منَ الناسِ مصادرَ رِزقِهم. حتى لو افترضنا أنّ هذهِ الثورةُ الصناعيّة الجديدةُ سَتوّلدُ قوةً عاملةً جديدةً قادرة على التنّقُلِ والسيطرةِ على هذا العالمِ الذي تهيمنُ عليه البيانات، فلا يزال يتعين عليَنا مواجهة مشاكل اجتماعية واقتصادية كبيرة. ستكون الاضطراباتُ هائلةً وتَحتَاجُ إلى تمحيص.

الهدفُ النِهائيُ للذّكاءِ الاصطناعيّ -حتّىَ الذَّكاءُ الاصطناعيّ الضَيّق الذي يتعاملُ مع مهامَّ محددةٍ للغاية- هو التفوّقُ على كُلِ وَظيفةٍ مَعرفيّةٍ بَشريّةٍ وإتقَانِها. في النهاية، قد تُبرمَج أَنظمَةُ التعلّمِ الآليِّ لتكونَ أفضَل من البَشرِ في كُلِّ شيءٍ. لكن ما قد لا يُطوّرونَهُ أَبدًا، هوَ اللمسَةُ الإنسانيةُ مِثلُ التَعاطفِ أو الحُبّ أو الكَراهيّة، أو أيٍّ من المشاعرِ الأخرى الواعيةُ بالذّات والتي تجعلنا بشرًا. هذا ما لم نُعطِ لهم هذهِ المَشاعر؛ وهو ما يفعله البَعضُ مِنّا بالفعل مع المساعدِ الافتراضي مثلُ (أليكسا) الخاصِّ بأمازون أو (سيري) التابع لشركةِ آبّل.

الإِنتاجيّةُ مُقابلَ اللَمسةِ البشريّةِ

كانَ لِلهَوسِ بالكمالِ والكَفاءةِ المفرطةِ تأثيرٌ عميقٌ على العلاقاتِ الإنّسانِيةِ، حتى التّكاثرُ البشريّ. حَيثُ يَعيشُ الناسُ حَياتَهم في حقائقَ افتِراضيّةٍ مُنعَزلةٍ من صُنعِهم. فَعلى سبيلِ المثال، أَنتَجت العديدُ من الشركاتِ في الولايات المتحدةِ والصين دُمىً آليّةً تُباع بسرعةٍ كشُركَاءَ بدِيلين للإنِسان؛ حتّى أنَّ رجُلًا في الصين تزوّجَ من دُميتِه الإلكترونية، في حين أنّ امرأةً في فرنسا تزوّجت رجلًا آليًّا، معلنةً قصّةَ حُبها كشكلٍ من أشكالِ “الجنس الآلي”، وهي تُناضلُ حاليًا لإضفاءِ الشّرعيةِ على زَواجها. حيثُ قالت: “أنا سعيدةٌ حقًا، ستتحسنُ علاقَتُنا مع تَطور التكنولوجيا”. ويبدو أنَّ هُناكَ طلبًا مُرتفعًا على الزوجَاتِ والأزواجِ الآليّين في جَميعِ أنحاءِ العالم.

في عالمِ الإنتاجيةِ المثاليّ، سَيُعتبر البشرُ بلا قيمة. بالتأكيّد مِن حيثُ الإنَتاجيّة وكذَلك من حيثُ إنسانيتنا الضَعيفة. ما لم نتخلَّ عن مَوقِفِ الكَمالِ هذا تجاهَ الحياةِ، الذي يَضعُ الإنتاجيةُ والنُمو الماديّ فوقَ الاستِدامةِ والسعادةِ الفردية. يُمكن أن تَكونَ أبحاثُ الذّكَاءِ الاصطنَاعيِ سلسلةً أُخرى في تَاريخِ الاختِراعاتِ البشريّةِ التي تُدمّرُ نَفسَها بِنَفسِها.

نَشهدُ بالفعل تَمييزًا في الحِساباتِ الخوارزميّةِ في الآونةِ الأخيرة، حيث سُحبَت روبوت محادثةٍ شهيرةٍ في كوريا الجنوبية اسمها Lee Luda صُمِّمت على غِرارِ شَخصيةِ طالبةٍ جامعيةٍ تَبلغُ مِن العُمرِ 20 عامًا، وأُزِيلت مِن Facebook messenger بعد استِخدَامها لما قد يَعتَبرهُ البَعض خِطابَ كَراهيّةٍ ضدّ فِئةٍ معينَةٍ.

وفي الوَقت نَفسِهِ، تَحملُ الأسلِحةُ الآليّةُ المُبرمَجةُ على القَتل مبادئَ مثل “الإنتَاجيّةَ” و”الكَفاءةَ” في المَعركة. نتيجةً لذلك، أصبحت الحربُ أكثرَ استِدامَةً. إنّ انتِشارَ حروبِ الطائِراتِ بدونِ طيّارٍ هوَ مِثَالٌ حيٌّ للغَاية على هَذِهِ الأشكالِ الجديدةِ من الصّراعات. إنَهم يَخلقُون واقِعًا افتراضيًّا يَكادُ يَكونُ غائِبًا عن مُتناولِ أيدينا.

تَصويرُ الذّكاءِ الاصطِناعي على أنَه كابُوس أورويلي -نسبةّ إلى الرِوائي جُورج أورويل- لا مَفرَّ مِنهُ لجيشٍ من المُنهين (Terminators) فائقةِ الذّكاء، ومَهَمّتُهم مَحو الجِنس البَشَريّ، أمرٌ مُضحكٌ. إن مِثلَ هذهِ التَوقُعاتِ البَائسةِ فجّةٌ لِلغاية، حيثُ لا يُمكِنُها التِقاط التَفاصيلِ الجَوهَريّة للذَّكاءِ الاصطِناعي، وتَأثيرهِ على حياتِنا اليَوميّة.

يُمكن للمُجتَمعات الاستِفادةُ من الذّكَاء الاصطِناعي إذا تَم تَطويرُهُ مَع مُراعاةِ التَنميةِ الاقتِصادِيةِ المُسّتَدامةِ والأمنِ البشريّ. لا يَنبغي أن يَكونَ التِقاءُ القُوةِ والذّكَاء الاصطناعيّ الذي يَسعىَ ورَاءَه -على سَبيل المِثال- لأنظِمةِ التَحكم والمُراقَبة بَديلًا عن الأمل في ذكاء اصطِناعي إنسَانيّ يَضعُ تِكنُولوجيا التّعلمِ الآليّ في خِدمةِ البشر وليسَ العكس.

تَتحَققُ هذهِ الغاية بِمُوجَبِ تنظيمِ واجِهَات الذّكاء الاصطناعيّ البَشريةِ في السُجونِ والرِعايةِ الصحيّةِ والمَصالح الحكوميّة، والضمانِ الاجتماعيّ ومُراقَبةِ الحُدود على سَبيل المِثال. حَيثُ تُفضلَ الأخلاقُ والأمن البَشري على الكَفاءةِ المؤسسيّة. العُلومُ الاجتِماعيةُ والإنسانيةُ لديها الكَثير لتقَولَه عن مِثلِ هذه القَضايا.

الشيءُ الوحيد الذي يَدعو إلى الابتِهاجِ هو احتِماليّةُ ألّا يَكون الذّكاء الاصطناعيّ أبدًا بَديلًا عَن الفلسَفةِ والفكر البشري. أن تَكون فَيلَسُوفًا، في نِهاية المَطاف، يَتطلب التَعاطف ويتطلب تَفَهّمَ الإنِسانيّةِ وعَواطِفِها ودوافِعِها الفِطرية. إذا تَمكنّا من بَرمجةِ أجهزَتنا لفَهمِ هذهِ المَعايير الأخَلاقيّة، فإنّ أبحَاث الذَّكاء الاصطناعيّ لَديها القُدرة على تَحسين حَياتنا، والذي يَجب أن يَكون الهدفُ النهائي لأي تقدم تكنولوجي.

ولكن إذا أسفَرت أبحاثُ الذَّكاء الاصطناعيّ عن أيديُولوجيا جَديدة تتمَحّورُ حَولَ مَفهُومِ الكَمال والإنتاجيّة القُصوى، فَسَتكون قُوةً مُدمرَةً سَتؤدي إلى المَزيدِ من الحروبِ والمَجاعات والضائِقة الاجتِماعية والاقتصاديّة، خاصّةً بالنسبةِ للفقراءِ. في هذا المُنعطف من التاريخِ العالمي، لا يَزال اتّخاذُ مِثل هذا القَرارِ بأيدينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى